رسالة التخلف - وليد دره
- May 1, 2013
- 6 min read
رسالة خاصة وصلتني يقول صاحبها : (اللغة العربية والإسلام ومحمد والقرآن أصل التخلف ) فرددت عليه بما يلي :
رأيت رسالة - لا أعرف لماذا أرسلتها لي - تقول فيها: { اللغة العربية والإسلام ومحمد والقرآن أصل التخلف}
لقد ساءني جدًّا ما قلتـَهُ ... و لا يمنعني غضبتي لله من أنْ أردَّ - قدر جهدي- بأدب لأن الإسلامَ الذي تجهل حقيقته و القرآنَ الذي لا تعرف قيمته و محمدًا الذي لا تدرك علمه و خلقه أمرَنا بلغة عربية مبينة أننا إنْ جادلنا فبالتي هي أحسن ، ولتقبل كلامي أو لترفضه هذه حريتك ، لكن بحكم ما أعطيته لنفسك من حق في أن تقول ما تشاء و ترسل ما تريد فلا أقل من أنْ يكونَ لي نفسُ الحق ، و للإنصاف هناك أحد احتمالين : إما أنني على صواب و أنت على خطأ أوأنك- حسب ظنك - على صواب و أنا على خطأ.
لنتفق مبدئيا على أن المسلمين حاليا بصفة عامةمتخلفون عن العالم باختلاف توجهاته و قد تكالبت عليهم الأمم ، و أنا لا أنكر ذلك فهو كالشمس في رابعة النهار ، لكن هل تتفق معي في أن الشخص هو صاحب الدَّوْر الرئيس في رقي أمَّـتِه أو انحطاط أمَّـتِه ؟
على سبيل المثال : دينُ الإسلام والقرآنُ الذي نزل علىمحمدٍالرسولِ و اللغةُ العربية ُكلُّ هذا كان موجودا منذ قرون مع السابقين الأولين الذين صنعوا-هم و مَن تلاهم - الحضارة زاهرة ليس لها كفْء و بلاد الإسلام كانت في رغد و عزة ، و ما يزال دينُ الإسلام و القرآنُ الذي نزل على محمدٍ الرسولِ و اللغةُ العربية موجودين حتى الآن لكننا نحن المسلمين في حالة تخلف و مذلة ، فما الذي تغير في الحالين ؟!
تغيرت الشخوص و التصرفات و طريقة التفاعل ،و بالتالي تغيرت المكانة و الشعور و نظرة الآخر ، أما الدين و الكلام المنزل و الرسول و اللغة فثوابت لم تتغيرفي هذه المعادلة برغم بعض التطورات اللغوية و اجتهادات العلماء في أحكام الدين لكنني أقصد أن الأصول هي هيلم تزل موجودة ، و سنة الله في الكون التغيُّر فدوام الحال مُحال ، و قد تنقلب الأمور عن قريب فيصير العزيز ذليلا و يقوم مَن كان ذليلا في عزة الطود شامخا .
أنا لا أعرف اسمك و لا مِلَّتَكَو لا من أي البلاد أنت ؟ قد تكون مسلما أو على دين آخر و قد تكون من بني جلدتي ليست هذه مشكلة لكن المشكلة الحقيقية هي إلقاء الشخصأيا كانأحكاما دون معرفة بجوانب القضية ، أو أن يظن الشخص نفسه على صواب دائم رغم قصور عقله و جهله بكثير من الأمور ، أو مجادلة الشخص لمجرد الانتصار للنفس لا بحثا عن الحق .
لنتجردْ من الأهواء و لنتعاملْ بمنطق سليم مع الأمور، و إليك هاتين النقطتين :
النقطة الأولى: ليست اللغة هي التي تصنع الحضارة أو التخلف بل مستعمل اللغة (الإنسان) هو صانع الحضارة أو التخلف لأن اللغة ببساطة وسيلة تفاهم و تواصل مع الآخر أو وسيلة تعبير عن مشاعرك للآخر ( سأثبت لك عمليا بعد قليل صحة كلامي ) .
النقطة الثانية: الدين من خلال النبي و الكلام المنزل عليه يبني أسس علاقة الإنسان بربه و بنفسه و بالآخر ، و يعلمه بعض ما لا يعلمه عما حوله و ما غاب عنه.
الإنسان في الأولى و الثانية هو العنصر المحوريّ الفاعل تلقيًا و استجابة أو تأثرا و تأثيرا .
الإنسان يقرأ و يبحث و يفكر من خلال استعماله وسيلة التواصل ( اللغة ) : هل هذا الأمر صحيح أم غير صحيح ؟ هل هذا الرسول صادق أم غير صادق ؟ يجري اختباراتٍ عن طريق السؤال و الإجابة ليصلَ إلى قناعة بهذا الدين أو ذلك الدين وقد يعقد مقارنات كي يصل إلى قناعته تلك ، و هذه هي لبنات بناء ما يكنـُّه الإنسان من معتقـَد، و الإنسان إما مُتقبِّل منفِّذ لتعاليم الدين أو رافض مبتعد عن تعاليم الدين ، فإذا قبل و نفذ فهناك سؤال مهم : هل يلتزم الإنسان بالفهم الصحيح للدين قولا و فعلا أم أنه بعيد عن الفهم الصحيح للدين قولا و فعلا ؟
أنا لن أجيبَكَ عن الأسئلة التي طرحتُها فأنت الجدير بالإجابة عنها ، أنا - فقط - أصوغ الأسئلة مصابيح تضيء الطريق لبيان سبب التخلف و عليك أن تمشي في النور لأنه لا يسير بك سوى قدماك أنت ، أنا أبحث معك من خلال رؤية صحيحة و معيار واضح يمشي على نوره أي إنسان حتى يصل لبر الأمان في حكمه على الأمر .
أيها الإنسان لقد وجدتَ نفسكتتفاعل مع ما حولك في كون مليء بالإعجاز، و وجدت لك عقلا تبحر به فيما حولك من أعاجيب، و وجدت لك يدا تكتب بها و كان مما كتبتأن ادعَيْتَ أنَّ القرآنَ و الإسلام و الرسول محمد و اللغة العربية أصلُ التخلف ، و وجدت لك عينا تبصر بها و كان مما أبصرته رسالتي هذه إليك ، و ممايقبله العقل أن لهذه المزايا كلها و غيرها موجِدًا أوجَدَها و خالقا خلقها فلكل فعل فاعل و لكل حادثة محْدِث .
إن الذي وهبك وهبني و وهب الآخرين مثل مواهبك أو أكثر ، فأنا و أنت و هذا الكون الفسيح لخالق واحد لا يجرؤ أحد أنْ يدَّعي مشاركته في الخلق ، هو الذي صاغ فأتقن بحكمة و اقتدار و رزق و أعان في الليل و النهار ، و هو القادر وحده أن يَهدي نفسي و نفسك لمعرفة وجه الحق في أي مظهر من جوانب الحياة أو ما وراء الحياة ، كما أنه قادر أن يُخفيَ عنا أشياء كثيرة ، فانظر حولك و فكر تجد الأعاجيب في الكون لكن على صورتين :أعاجيب تبهر العقل من خلق الخالق سبحانه لا تجد فيها عِوَجا يعيق اتزانها و لا أمْتا يخِلُّ بتوازنها ، و انظر فيأفعالنا نحن البشر تجد أعاجيب لكن على نحو آخر يظهر لك الحسن و القبح فيه من خلال أثر أفعالنا و نتائجها، فإما أن تكتب بسيرة حياتك ما يُستحسَن ذكرُك بسببه و تحسُن نهايتك به أو تكتب بسيرة حياتك ما يُساء ذكرُك بسببه و تسوء نهايتك به ، فابحث عن الحق و راجع نفسك ؛ لأن الاعتراف بالحق فضيلة تنقُص الكثيرين و تُجمِّل أصحابها في عيون الآخرين .
لعلك لاحظت أني خاطبتك بعقلانية محضة و منطقية بحتة .لم أذكر لك آية من القرآن أو حديثا للرسول محمد اللذين هما مصدر الإسلام .
لم أتحدث عن مزايا الإسلام و لا عن فضائل القرآن و لا عن سيرة محمد الرسولو لا عن الإعجاز العلمي للقرآن و الحديث النبوي و لا عن جماليات اللغة العربية و تفوقها على ما عداها ، رغم أن لكل من هذه العناصر ما يصعب حصره من الجوانب و الدلائل المبهرة الدالة على أنها تحويأهم أسس الرقيّ و التحضر إنْ أحسنَّافهمها و العمل بها.
لم أتكلم عنأي من ذلك لا لشيء إلا لأن كلامك يدل على رفضك و إنكارك للإسلام و للقرآن و لمحمد الرسول و للغة العربية - و هذا شأنك و لكل منا قناعاته و اعتقاده - فخاطبتُ عقلك الذي نتفق أنا و أنت على وجوده حاليا ، ورغم عدم ذكري في رسالتي هذهلشيء من جوانب العلم و الإعجاز في القرآن و حياة محمد الرسول لأتوجه بكلامي لعقلك إلا أنني لم أستطع البعد عن اللغة العربية؛ لأنها كما قلت لك هي الوسيلة للتواصل و التعبير ، فأنا قد قمتُ باقتحامها و قطفتُ منها كلمات تراها نديَّة مزهوة أمامك لأصوغَ بهاجنى رسالتي إليك و يفوحَ من ريحانها العبيرُ لديك ، فهل اللغة العربية هي التي كتبتْ لك الرسالةَأم أنا ؟ هَبْ أنني اخترتُ من كلمات السبّ و اللعن والشتم و قبيح الألفاظ ما اشتعل ناره و ظهر أواره فيطيات رسالتي إليك و ألهبت به حماسة الرد عليَّبمثلها لديك هل ستصفني بقلة الأدب أم ستصف اللغة العربية بقلة الأدب ؟ هذا هو الدليل الذي وعدتك به آنفا على صحة قولي بأن ناطق اللغة (الإنسان) هو الصانع للحضارة أو التخلف ، و كذلك صاحب الدين (الإنسان) هو الصانع للحضارة أو التخلف بناء على أفعاله و أقواله التي يبني بها حضارة أو يهدم بها حضارة .
الحقيقة التي أعتقدهاهي أنَّدينَ الإسلام و القرآنَ الذي نزل على الرسول محمد و اللغةَ العربية أصولٌكما ذكرت أنت ، لكنها عندي أصول للنجاة من سوء المصير و أصول لحسن المآل و أصول للرقي و العلم إذا أحسن الإنسان فهمها و الأخذ منها و العمل بمقتضياتها ، لكن إذا ما أساءالإنسانُفهمَها و الأخذَ منها و العملَ بمقتضياتها فصار كالأنعام بل هو أضلُّ فلا تلومن إلا الشخص ؛ إذ من الظلم أن نلوم اللغة أو الدين أو الرسول أو الكتاب المنزل على عته و سفه مَن انتسب له اسما و لم ينتفع منه شيئا .
إن الصورة الحسنة أوالسيئة التي ترتسملشخص ما في ذهنك ما هي إلا شخصيتههو بقدر ما حصًّل من أصول التكوين في مجتمعه تربية و دينا و عادات و بحسب طريقة تفاعله معك ، و قد يخرج من صلب العالم المعظم جاهل محتقر ، و يخرج في ساق الزهرة شوك .
الجهل و التخلف و التقصير منا نحن شخوص المسلمين لأن أفعالنا و أقوالنا بعدت عن الحق الذي آمنا به ، و أصبحت صورة الحق الذي بين أيدينا غير واضحة في أعين الآخرين لأنهم يظنوننا تمثيلا عمليا لديننا ، غير أن الكثير منا مَسْخ مشوَّه تنازعته أيدي الأهواء فمزقته كل ممزق و خلعت عنه لباسه و شرَّدته عن وطنه إلا ما رحم ربي ؛ لذا أقول لك : تعرف على الإسلام و القرآنِ و محمدٍ الرسولِ و اللغةِ العربيةِمن خلال ما كتبه العلماءُ المحققون عنهم، و لا تتعرف على الإسلام و القرآنِ و محمدٍ الرسولِ و اللغةِ العربيةِ من خلال المسلمين أو العرب ، ثم بعد ذلك تكلمْ يُسمَعْ منك الدُّرَرُ و يبعُد عن منطقِكَ الزَّلَلُ .
والذي نفسي بيده لو أدركتَ نتائج مقولتك حين تقف بين يدي الله ما قلتَها ، و لندمتَ على تفوُّهِكَ بها كلَّ الندم ، و لطلبتَ المغفرةَ و العفو من الله عن هذه الزَّلَّة العظيمة ، و لئن بحثتَ و قرأتَ و سألتَ لعرفتَ أنني صدَقتُكَ القولَ و النصحَ مخلصا ، و أهديتك من الدُّرِّ و الخيرِ خالصا .
سامح إطالتي في الكلام فأنا لا أريد إلا أنْ يستنيرَ دَرْبُك بُغيةَ الهدايةِو رجاءَ نُصْرةِ الحق ، فإن كان مقصدي تمَّ فلله الفضلُ، و إن لم يكن فالحمد لله في الأولى و الآخرة له الأمرُ و إليه المصيرُ يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون .


















Comments